الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
نفحات الولاية
والأول الوحيد الذي ليس له ثان من كان غير محدود من جميع الجهات ولا يسعه العدد . وعلى هذا الأساس فان مولى الموحدين - علي بن أبي طالب عليه السلام - قد عكس حقيقة التوحيد في هذه العبارة القصيرة ذات المعنى العميق ، فوصف البارئ سبحانه بما يفوق الخيال والقياس والظن والوهم . وهى ذات الحقيقة التي كشف النقاب عنها الإمام الباقر عليه السلام حين قال : « كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم » « 1 » . والاحتمال الآخر ما زال قائماً بأن يكون المراد « بالإشارة » الإشارة العقلية والإشارة الحسية أيضاً ؛ وذلك لأنّ اللَّه ليس بجسم ولا عرض والاعتقاد بجسمية اللَّه جهل محض ، ونتيجة ذلك كون الذات الإلهية محدودة لأنّ كل مشار إليه فهو محدود ، فالمشار إليه لابدّ أن يكون في جهة مخصوصة ، وكل ما هو في جهة فله حد وحدود . سؤال هنا يبرز سؤال يطرح نفسه : إذا تعذرت حتى الإشارة العقلانية للَّه ، فانّ معنى ذلك تعطيل معرفة اللَّه وإغلاق أبواب المعرفة بوجه الإنسان وبالتالي سوف لن يكون هناك من مفهوم لمعرفة اللَّه . وذلك لأننا كلما حاولنا التوجه إلى تلك الذات المقدسة ارتطمنا بمخلوق من نسج أفكارنا ، كلما أردنا الاقتراب منه لم نزدد إلّابعداً عنه ، فما أحرانا والحالة هذه الا نقتحم ميدان المعرفة بغية عدم الابتلاء بالشرك . الجواب إنّ الجواب على هذا السؤال يتضح من خلال الالتفات إلى نقطة مهمّة - من شأنها أن تحل المشكلة هنا وفي سائر الموارد - وهى أنّ المعرفة على نوعين : معرفة إجمالية ومعرفة تفصيلية ، أو بتعبير آخر معرفة كنه الذات ومعرفة مبدأ الأفعال . فإننا حين نتأمل عالم الوجود بما يضم من العجائب والغرائب والكائنات بتلك الروعة والجمال والعظمة ، بما في ذلك وجودنا نحن الأفراد لنشعر بأنّ هنالك خالقاً ومدبراً لهذا الكون وهذا هو العلم الإجمالي الذي يمثل ذروة معرفة الإنسان باللَّه ( غاية ما في الأمر أننا كلما تعرفنا أكثر على أسرار الوجود وقفنا بصورة
--> ( 1 ) بحار الأنوار 66 / 293 .